حوس !

ico أمريكا تفتح حدودها أمام المسافرين الأجانب بشرط ! ico مالا تعرفه حـول غابة البامبو في اليابان ico حتى إشعار آخر .. 33 دولة محرومة من أداء العمرة ico قصة راس الحمراء بين روايتي الخرافة والحقيقة ico شاطىء المحجرة … قبلة عشاق الزُّرقة بسكيكدة

الرئيسية أقلام الرأي الدكتورة أمال عزري تشرح واقع وتحديات صناعة الحلي التقليدية في الجزائر

الدكتورة أمال عزري تشرح واقع وتحديات صناعة الحلي التقليدية في الجزائر

كتبه كتب في 5 سبتمبر 2020 - 6:30 م
مشاركة

ارتبط استخدام الحلي بالمجتمعات الإنسانية منذ فجر التاريخ، وقد كانت بداية كتعاويذ للحماية من بعض القوى الطبيعية الخارقة، التي حاول الإنسان منذ بداية وجوده فهمها والسيطرة عليها، لهذا استخدم التعاويذ والأنواط والتمائم، أو علق جزءا من هذه الموجودات الطبيعية للتفاؤل، أو لإظهار قوته فكان يعلق جزءا من صيده، كأسنان او عظام الفرائس التي اصطادها، ويتباهى بها كلما كثرت تباهيه بقدراته على أقرانه.

 كما استعملت كوسيلة لتحديد الانتماء وهويته، فكل جماعة أو قبيلة تستعمل رمزا أو أيقونة يشترك فيها كافة أفرادها، وتعلق للإنسان منذ ولادته، أو يوشم في جماعات أخرى دلالة على أنه جزء منها.

 وكانت علاجا ووسيلة للوقاية من الأمراض معينة، وقد أثبت العلم الحديث ذلك، فالحلي المرصعة بالعقيق والمرجان تساهم في توقيف نزيف الدم، كما توجد أحجار كريمة مضادة للاكتئاب والأرق، وتوصلت علوم حديثة إلى أن الذهب والفضة معادن ذات طاقة عالية، تحمي صاحبها من الطاقات السلبية.

وقد صنعت الحلي بداية مما توفره الطبيعة، من قواقع وعظام الحيوانات وأسنانها والأصداف وبعض الحجارة،

ثم تحولت صناعتها في العصور اللاحقة للمعادن، كالحديد والنحاس والبرونز، ثم الذهب والفضة، وأدخلت عليها الأحجار الكريمة.

وتعتبر الحلي التقليدية تراثا مادي، يعبر عن ثقافة المجتمع وروحه الحضارية، كما تعبر عما مر به من أحداث وتغيرات تاريخية على جميع الأصعدة.

 وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمع الجزائري، حيث نجد أن هذه الحلي عبارة عن سجل تاريخي أنثروبولوجي قوي بالدلالات والأساطير التي تحتاج للدراسة.

 كما نجد أن الحلي الجزائرية قد عبرت على الحضارات المتعاقبة على شمال إفريقيا عامة، وعلى الجزائر خاصة، سواء من خلال الاحتلال (الرومان، الوندال، البيزنطين)، أو التعامل التجاري(المصريين، الفينيقين، اليونان)، او الفتح الإسلامي(الحضارة الإسلامية)، أو التي هاجرت للمنطقة واستقرت بها(كالأندلسيين مسلمين واليهود)، والعثمانيين الأتراك، وحتى الأوروبيين. لهذا نجد رموز ونقوش مختلفة في الحلي تعود لحضارات وفترات تاريخية عدة منها، صندوق المرآة في منطقة الأوراس يعود للحضارة المصرية، ونجد بعض الرموز الوثنية كقرص الشمس أو الدائرة، الذي يعود لإله الشمس عند المصريين القدماء، وهو رمز الديمومة والتجدد والاستمرار، مثل الشمس التي تشرق كل يوم دون انقطاع، لهذا يستخدم خاتم الزواج وهو داءرة للتفاؤل باستمرار العلاقة بين المرأة والرجل في كل الحضارات منذ القديم.

 أما الصليب فيعود للرومان المسيحيين،  كما نجد الزخارف الإسلامية الأندلسية والعربية والتركية، إضافة لرمز الهلال والنجمة الإسلامية، والمثلثات التي تدل على التوازن والإخصاب… وغيرها من المعاني المختلفة حسب نوع الحلية وموضع لبسها.

وعند حديثنا عن صناعة الحلي التقليدية الجزائرية، نشير إلى أنها تطورت كثيرا نتيجة تأثير مجيء الأندلسيون للجزائر، بعد سقوط الأندلس في 1492م، حيث انتقل الصاغة الفاريين من محاكم التفتيش والاضطهاد المسيحي إلى المدن الساحلية في الجزائر، كتلمسان في عهد الزيانيين وكانت حاضرة كبيرة جدا، والجزائر العاصمة(جزائر بني مزغنة)، وقسنطينة، حاملين معهم فنون الصناعة، وكانت مدن متطورة وفيها رخاء، وحاضرة بجاية  التي كانت أساسا لازدهار صناعة الفضة في منطقة القبائل خاصة بني يني…إلخ.

 و انتشر تأثير هؤلاء على فنون الصنعة الموجودة أصلا في الجزائر منذ القدم، وانتشر التأثير حتى وصلت للأرياف والجبال ومناطق في الصحراء.

وتصنف صناعة الحلي في الجزائر كغيرها من الفنون والصناعات التقليدية، لنوعين هما المدني وينتشر في الحواضر والمدن كالعاصمة، وتلمسان، وقسنطينة …. وكانت تعيش فيها طبقات ميسورة كالحكام، والولاة، والتجار الكبار، والعائلات الارستقراطية، التي تستطيع شراء الذهب، كما أن حياتهم فيها ترف ورخاء وفيها استقرار مناسب للفنون المعقدة، لهذا تتميز صناعة الحلي فيها بالتعقيد والكلفة والاتقان، واستخدام مواد أولية غالية كالذهب والأحجار الكريمة الغالية، كالجوهر وهو نوع خاص من العقيق، كما نجدها تستعمل تقنيات متطورة نوعا ما في صناعتها، كالزخارف إسلامية وأزهار وفنون.

أما الثاني فهو ريفي وصحراوي، ويتميز  بالبساطة سواء في المواد الأولية؛ حيث يستخدم الفضة والنحاس والعقيق والمرجان المتواجد في الطبيعة الخاصة بكل منطقة، كما أن تقنيات الصناعة بسيطة، ويظهر كلما توغلنا بعيدا عن المدن وفي المناطق الريفية في السواحل، والجبلية كالاوراس ومنطقة القبائل، ومناطق الهضاب العليا والسهوب كسطيف والعلمة، ومنطقة الحضنة كمسيلة والاغواط والجلفة، التي تستخدم الفضة كثيرا. أما الصحراء كورقلة، وغرداية، وتيميمون…إلخ، فيستخدم النحاس والفضة معا، وذلك لقلة تكلفتهما، ولتواجدهما في الطبيعة، كما أن سكان هذه المناطق ابسط في عيشهم من المدن، وبيتهم فيها غاضة وقساوة تناسبها الفضة الأكثر قساوة من بقية المعادن وأكثر تناسبا مع حياة الناس ومعتقداتهم، حيث تعتبر أداة حماية بالنسبة لهم، فيرتبط استخدام الفضة بالمعتقدات القديمة، التي ترى أنها تحمي من الأرواح الشريرة والعين الحسود…إلخ.

وتتميز حلي هذه المناطق بسمكها،  إضافة لاستخدام الأحجار الكريمة والمرجان، الذي يؤتى به من سواحل الجزائر خاصة من القالة. ويتم استخدام الألوان في المناطق الشمالية كمنطقة القبائل، التي تتميز حليها بالألوان الزاهية والمستوحاة من الطبيعة، ويستخدم للتلوين طلاء المينا للتلوين بالازرق والأخضر والأصفر، وهي ميزة خاصة بحلي هذه المنطقة.

وكلما توغلنا جنوبا يقل استخدامها تناسبا مع الطبيعة القاحلة الخالية من الألوان، ويميل سكان المناطق الداخلية كالاوراس والحضنة لاستخدام الفضة صافية مع تزينها ببعض الأحجار كالعقيق والزجاج المصقول في أشكال لؤلؤية، وبأقل درجة المرجان.

 أما الصحراويون والطوارق فتميل حليهم لاستخدام الفضة صافية لوحدها أو بخلطها مع النحاس، وأحيانا مع أحجار العقيق بمختلف ألوانه، وهو أحجار بركانية متعددة الألوان منها الأبيض، والاحمر، والاسود، والأصفر والبني.

أما العجينة لمعطرة فتستخدم في كل المناطق مع اختلاف في بعض مواد صناعتها،  وهي العجينة التي يصنع منها السخاب، وهي مصنوعة من القرنفل والعنبر وماء زعفران وعطر النرند الهندي، والمسك أحيانا وماء العطر، وبعد عجبها تشكل أهرامات وأشكال صغيرة وتثقب ثم تترك لتجف ثم تستخدم كجزء من حلية السخاب.

 ومهما كانت أشكالها أو مواد صناعتها، تعد صناعة الحلي التقليدية من الصناعات المهمة، التي تساهم في التنمية الاقتصادية، بحيث تعد أحد الصناعات الداعمة للنشاط السياحي ومصدر من مصادر الدخل الوطني والفردي، وتساهم في امتصاص البطالة،  كما تتميز بأهمية ثقافية وخاصة في ظل الظروف الحالية، فهي تعبر عن هوية المجتمع ووجوده، وتزيد من قدرته على تمثيل تاريخه وقيمه والتعبير عن ذاته.

ولكن نجد أنها في الجزائر تعيش واقعا صعبا، تواجه فيه تحديات تهددها بالزوال، مالم تلقى الدعم والمساندة من قبل الجهات الوصية، ومن بين هذه التحديات نجد: نقص المواد الأولية ذهب، فضة، نحاس، مرجان….، فبعد أن كانت لنهاية الثمانينات يحق للحرفيين الحصول على حصة تمنحها الوكالة الوطنية لتوزيع وتحويل الذهب والمعادن الثمينة،  انقطع ذلك بداية من التسعينات، وأصبحت الرسوم على الذهب والفضة جد مرتفعة بالسعر المعروض على الجميع، ويعامل الحرفي كما يعامل أي شخص أخر يتاجر في هذه المواد، وهو ما صعب أمر الحصول على المواد الأولية. إضافة إلى مشكلة قلتها، والذي أدى إلى المضاربة في أسعارها وغلاءها، مما يؤدي إلى ارتفاع ثمن الحلي ويزيد صعوبة تسويقها، مقارنة بالقدرات الشرائية، وأسعار السلع المنافسة وخاصة المستوردة، التي تعتمد على مواد ارخص كالنحاس، والفونتيزي التي تستخدم عدة مواد بسيطة الثمن، مما أدى لكساد المنتج المحلي رغم أصالته وجودته، وذلك دون تحرك الجهات المعنية لدعمه وحمايته. إضافة لمعضلة الصناعة الصينية المقلدة، حيث أن المستورد يرسل صورة لقطعة واحدة لأحد المصنعين الصينين، في خلال أيام تصله شحنة تغرق السوق بالمنتج بسعر منخفض تماما. كما نشير لعدم تصنيف الحلي التقلدية الجزائرية، وحماية ملكيتها الفكرية.

إضافة لعدم وجود جهة تتكفل بمشاكل الحرفة، وذلك رغم تخصيص الدولة لكتابة دولة للصناعات التقليدية، إلا أنها لا تهتم بحل مشاكل الحرفين، بل تكتفي بالاستماع إليها دون حلول، وفي أحسن الحالات تقوم  بتنظيم معارض وطنية لتخفيف الضغط فقط.

 ضف إلى هذا كله غياب التكوين في المهنة، فرغم المحاولات مازالت حرفة صناعة الحلي التقليدية على الأغلب متوارثة داخل عائلات بعينها في كل منطقة، ومحصورة في مناطق بذاتها.

وبما أن التوجه الاقتصادي للجزائر اليوم هو تنمية قطاع السياحة، وتنمية الدخل الوطني خارج الاقتصاد الريعي، نتمنى أن تجد حلولا واقعية لمشكلات الصناعات التقليدية، وخاصة صناعة الحلي التقليدية، التي تعد فن مهم جدا بالنسبة للمجتمع ثقافيا واقتصاديا وتاريخيا وحضاريا.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

https://bit.ly/3lF94cS